02 June 2009

MASA SUSAH INGAT, MASA SENANG LUPA



دوام الحال من المحال
حامد المهيري \"من أمن الزمان خانه\" هذا ما لاحظه ابن خلدون \"الدّهر يومان، يوم لك، ويم عليك\" وهذا ما استنتجه علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وأكده الإمام الشافعي في قوله:الدهر يومـان: ذا أمن وذا خـطـروالعيش عيشـان: ذا صفو وذا كـدرولم يتخلف الإمام ابن عرفة عن التعبير عن متناقضات سلوكيات الدهر قائلا:يرفع الـدهـر أنـاسا ** بعـد أن كانوا سـفاله من له في الغيب شيء ** لـم يمت حــتى يـناله هذا كله يتجاوب مع حكمة من التراث \"دوام الحال من المحال\"، إن شئت يا أخي الإنسان، أن تعرف حقيقة، أي من أبناء آدم، هل هو من أهل المعروف أو من أهل المنكر، فاختبره كما نصحك مونتسكيو \"إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل من الرجال، فضع في يده مالا، أو سلطة، ثمّ انظر كيف يتصرّف\". والغريب كما قيل \"إن الذي يعرفك عندما يجوع، ينكرك عندما يشبع\" هو ما يشاهد على أرض الواقع. ولهذا صدق ابن المقفع في قوله \"إن تلتمس رضاء جميع الناس تلتمس ما لا يدرك، وكيف يتفق لك رأي المختلفين\"؛ لقد وصف أبو القاسم الشابي تقلب الزمان والناس فقال:الناس لا ينصفون الـحي بيـنهم ** حتى إذا ما توارى عنهم ندموا الويل للناس من أهوائهم أبدا ** يمشي الزمان وريح الشر تحتدموهبنا الله سبحانه عمرا، وجعل له خاتمة ونهاية ولا ريب أن المؤمن الواعي يحسّ في أعماقه، أنه في سباق مع هذه النهاية، يحاول أن يسجل قبلها أكبر قدر من العمل النافع، الذي يحتاج إليه \"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا\" (آل عمران 30) فموقف الإنسان يوم الحساب مرتبط بالزمن، فهو يحب أن يقرب الله منه ما عمل من خير، ويتمنى أن يجعل الله بينه وبين السوء أمدا بعيدا، وهيهات إلا بفضل من الله ورحمة.إن الإحساس بالزمن يتفاوت من شخص إلى شخص، كما يختلف من أمة إلى أمة، ولم يعرف التاريخ أمة قدّس دستورها الزمن، وعظم شأن الوقت كهذه الأمة التي ختم بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، التي حدثها الله سبحانه دائما عن نفسه، وعن خلقه، حديثا مقيسا بكل دقة، وذلك على سبيل التربية كما هو من باب وصف نظام الكون \"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت\" (الملك 3)؛ حدث عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وعن أمره وإرادته في غير زمان \"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون\" (يس 82) فأمره بين الكاف والنون، كما يقولون، وعن علمه سبحانه بالخلق وأحوالهم، وعن تسجيل أعمال الخلائق؛ وحدّثنا عن الزمن الماضي والعمر الضائع، بدقة فائقة.كل إنسان يعمل، فعمله جزء من الزمن قد يتحول إلى ذهب ومن الممكن أن يتحول إلى دخان ينبعث من نرجيلة، أو شخير ينطلق من صدر نائم خامل، أو شهوة خاطفة تمضي وتخلف لصاحبها حسرة العمر، على الضياع والغفلة، وعذاب الضمير، وحساب الآخرة. كم من الساعات والأيام، والسنين، تضيع في حياة الناس، والأمة، على المقاهي، ومواقع الإثم والعصيان، أو النوم والكسل، أو الفوضى والثرثرة داخل البيوت وفي المكاتب والمصانع، والدواوين على حين يسهر أعداء المسلمين، ويكدحون في كل دقيقة، بل في كل ثانية من أجل تحصيل أسباب القوت، وفرض سيطرتهم على مصاير العرب والمسلمين.فعرب ومسلمو هذا العصر يضيعون السنين ولا يحسون بمرورها بينما غيرهم يحاسبون أنفسهم على الثواني مخافة أن تمضي دون إنتاج، لأن الزمن جزء من تقدمهم ونجاحهم كما هو جزء من ضياع العرب والمسلمين وفشلهم، ولغو جدلهم. وهذا مخالف لعقيدة الإسلام التي تأمر بالحفاظ على الوقت وبالعمل على حساب المستقبل.فالمسلمون أمروا بالصلاة خمس مرات في أوقات معلومة، وشرع الله الأذان إعلانا لحلول الوقت، وإيذانا ببدء تكليف جديد، متجدد دائما وحذر من الغفلة، ومن آداب الإسلام ألا يضيع الوقت في لغو الحديث فالمسلمون المؤمنون \"إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالو لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين\" (القصص 55). فالإسلام حريص على التسابق في فعل الخيرات مع الزمن. وحذار من الرياء ففي المثل الدنمركي \"كثيرون من الناس كالساعات الدقاقة التي تشير إلى ساعة معينة، وتدق معلنة ساعة آخرى\" وفي المثل الانكيليزي \"الرياء هو النقيصة الوحيدة التي لا تغتفر\".هذا مشهد حي عن تقلب الزمان والناس: لما غضب السلطان على الوزير\"مقلة\" وأمر بقطع يده لما بلغه أنه زور عنه كتابا إلى أعدائه وعزله، لم يأت إليه أحد ممن كان يصحبه، ولا توجع له، ثم إن السلطان تبين له في بقية يومه أنه بريء مما نسب إليه فخلع عليه ورد إليه وظائفه فأنشد قائلا: تحالف الـناس والزمـان ** فحيث كان الزمـان كـانوا عاداني الدهر نصف يـوم ** فانكشف الناس لي وبـانوايا أيها المعرضون عـنا ** عودوا فقد عاد لي الزمان كم من الناس أخلصوا للوطن وقدموا جهدا ثمينا، ولكنهم لم يحظوا بعدل الزمان ونكرهم من زينت لهم سوء أعمالهم فلم ينصفوهم، هؤلاء الناكرون \"زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس\" (الأنفال 48) وأيضا \"قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون\" ( الأنعام 43)، وهذا من غرائب الزمان \"أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء\" (فاطر 8) ويستوجب التساؤل \"أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم\" (محمد 14) وأختم مذكرا المستبدين بقول عبد الرحمان الكواكبي \"إن فكرة الاستبداد أصل كل فساد في الأخلاق\".